آراء ومقالات

حين يصبح الرغيف مقياسًا للمعيشة… من يساند المواطن؟ “غلاء المعيشة ومحدودية الدخل والحاجة إلى حلول اقتصادية تستبق الأزمة بقلم :د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد

حين يصبح الرغيف مقياسًا للمعيشة... من يساند المواطن؟ "غلاء المعيشة ومحدودية الدخل والحاجة إلى حلول اقتصادية تستبق الأزمة بقلم :د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد

حين يصبح الرغيف مقياسًا للمعيشة… من يساند المواطن؟

“غلاء المعيشة ومحدودية الدخل والحاجة إلى حلول اقتصادية تستبق الأزمة

بقلم :د. مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
سبتمبر ٢٠٢٦م

لم يعد غلاء المعيشة في السودان مجرد حديث يتداوله الناس في الأسواق والمواصلات ومجالس الأحياء بل أصبح واقعًا يوميًا يضغط على حياة الأسر بصورة مباشرة ويضع محدودي الدخل أمام معادلة شديدة القسوة: دخل محدود وأسعار تتغير باستمرار واحتياجات لا تنتظر.

ولعل الرغيفتان بألف جنيه تصلحان نموذجًا بسيطًا لاختبار حجم المعاناة؛ فهما لا تمثلان وجبة كاملة وإنما جزءًا صغيرًا من الاحتياج اليومي للأسرة. وإذا كان هذا هو الحال قبل أن ينزل التلاميذ والطلاب إلى المدارس فكيف سيكون الأمر عندما تبدأ الأسرة في مواجهة تكاليف المواصلات والوجبات المدرسية والكتب والكراسات والزي المدرسي وغيرها من الالتزامات التي تأتي مع العام الدراسي؟

المشكلة هنا ليست في سعر الرغيف وحده وإنما في الفجوة المتزايدة بين الدخل وتكلفة الحياة. فكلما ارتفعت أسعار السلع والخدمات دون أن يواكبها تحسن حقيقي في دخول المواطنين اتسعت دائرة العجز وانتقلت أسر جديدة من دائرة الكفاية إلى دائرة الاحتياج.

▪︎ المجتمع يستبق الحكومة دائمًا

في السودان ليست هذه المرة الأولى التي يثبت فيها المجتمع أنه قادر على التحرك عندما تتعثر الحلول الرسمية أو تتأخر.

لقد شهدنا خلال الحرب نماذج لا تحصى من المبادرات الشعبية: غرف الطوارئ والتكايا والمطابخ المجتمعية والمبادرات الشبابية واللجان المجتمعية والمتطوعين والمنظمات الوطنية والقاعدية؛ وكلها تحركت في لحظات شديدة الصعوبة لتسد فجوات حقيقية في حياة الناس.

واليوم نشهد بعض المنظمات وهي توزع الخبز مجانًا عبر مخابز أنشأتها أو من خلال نوافذ خصصتها لهذا الغرض.

وقد يبدو الأمر بسيطًا في ظاهره لكنه يحمل رسالة كبيرة:

▪︎ عندما يشعر المجتمع بأن الناس بحاجة إلى شيء أساسي فإنه لا ينتظر طويلًا ليتحرك.

وهنا ينبغي ألا ننظر إلى هذه المبادرات باعتبارها مجرد أعمال خيرية مؤقتة بل باعتبارها تجارب اجتماعية واقتصادية تستحق الدراسة والبناء عليها وتوسيع أثرها.

▪︎ كتبنا عن التعاونيات والأسواق… لكن التنفيذ هو الفارق

لقد كتبنا من قبل عن أهمية أن تتبنى الحكومة سياسة واضحة لدعم الجمعيات التعاونية وتفعيل دورها والتوسع فيها باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في تخفيف تكلفة السلع الأساسية على المواطنين.

كما أشرنا إلى أهمية تطوير الأسواق التي يمكن أن توفر السلع بأسعار أقل وتبني سياسة الأسواق المتنقلة وفتح منافذ للبيع من مواقع التصنيع والإنتاج مباشرة إلى المستهلك بما يقلل حلقات الوساطة التي تضيف تكاليف متراكمة على السلعة.

لكن المشكلة أن بعض هذه الحلول قد تفقد جزءًا كبيرًا من جدواها إذا كانت تسعيرتها مرتبطة بصورة مباشرة بسعر الدولار اليومي؛ لأن المواطن في نهاية المطاف سيجد نفسه أمام سلعة أرخص قليلًا لكنها لا تزال خارج قدرته الشرائية.

إذن نحن بحاجة إلى التفكير في آليات لا تعتمد فقط على خفض عدد الوسطاء وإنما على تخفيض التكلفة النهائية التي يتحملها المواطن محدود الدخل.

وهنا تحديدًا تستحق تجربة سودانية أخرى أن نتوقف عندها بجدية.

لماذا لا تتحول التكايا إلى منافذ للمعيشة؟

التكية ليست مجرد مكان لتقديم الطعام.

لقد أثبتت الحرب أنها واحدة من أكثر صور التكافل الاجتماعي قدرة على الوصول إلى الناس ووصول الناس إليها وأنها استطاعت في ظروف بالغة القسوة أن تحول ما يتوفر من موارد محدودة إلى وجبات تصل إلى أعداد كبيرة من المحتاجين بإستدامة.

ومن هنا يأتي السؤال:

لماذا لا ننتقل بالتكية من مفهوم الإطعام المجاني فقط إلى مفهوم أوسع: “التكية الاقتصادية المجتمعية”؟

يمكن في المناطق التي تسمح ظروفها بذلك تطوير بعض التكايا وتحويلها تدريجيًا إلى منافذ للسلع الأساسية لمحدودي الدخل ومعدومي الدخل بالشراكة بين الحكومة والمنظمات الوطنية والقطاع الخاص والمنتجين والمجتمع المحلي.

يمكن أن تكون هذه المنافذ مكانًا لبيع أو توفير سلع أساسية بأسعار مدعومة أو بهامش ربح محدود مثل:

الخبز، الدقيق، السكر، البقوليات، الزيت، الأرز، اللبن وبعض المنتجات المحلية الأساسية.

والفكرة ليست أن تتحول التكايا إلى أسواق تجارية عادية وإنما أن تستفيد من الثقة المجتمعية والبنية الموجودة والشبكات التطوعية لتصبح أداة جديدة للحماية الاجتماعية.

▪︎ من التكية الخيرية إلى التكية المنتجة

يمكن أن يتطور الأمر أكثر من ذلك.

فبدل أن تعتمد التكية دائمًا على التبرعات النقدية لشراء الطعام يمكن ربطها بالمنتجين المحليين والمزارعين والمخابز والمصانع الصغيرة بحيث تحصل على المنتجات مباشرة أو عبر اتفاقات شراء جماعي.

وهنا يمكن للقطاع الخاص أن يؤدي دورًا مهمًا ليس فقط بالتبرع وإنما من خلال المسؤولية الاجتماعية الحقيقية؛ أي تخصيص جزء من إنتاجه أو توفيره بسعر تفضيلي لهذه المنافذ.

كما يمكن للمنظمات الوطنية أن تتولى جوانب الإدارة المجتمعية والتوثيق والاستهداف والرقابة بينما تتولى الجهات الحكومية توفير التسهيلات والرقابة العامة ومنع الاستغلال والاحتكار.

بهذه الطريقة يمكن أن تتحول التكية من مجرد مستجيب للحاجة إلى أداة تساعد في إدارة الحاجة وتقليل كلفتها.

لكن لا بد من الحذر من تحويل المبادرة إلى باب جديد للفساد

أي تجربة من هذا النوع لن تنجح بالشعارات وحدها.

فإذا أردنا تحويل التكايا إلى منافذ اقتصادية لمحدودي الدخل فلا بد من بناء نظام واضح للحوكمة والشفافية:

من أين جاءت السلع؟

بكم اشتريت؟

بكم بيعت؟

من المستفيد؟

وكيف يتم تحديد الأولوية؟

ومن يراقب المخزون والحسابات؟

وكيف نمنع إعادة بيع السلع المدعومة في السوق بأسعار أعلى؟

هذه الأسئلة ليست تعقيدًا للعمل الخيري وإنما هي شروط لحمايته من الاستغلال.

فالمواطن الذي يعاني من الغلاء لا يحتاج إلى مبادرة جديدة تتحول بمرور الوقت إلى سوق مغلق أو وسيلة لتحقيق أرباح غير مبررة وإنما يحتاج إلى مؤسسة مجتمعية واضحة القواعد يعرف كيف تعمل ولمن تقدم خدماتها.

المطلوب ليس إلغاء السوق… وإنما حماية المواطن داخله

من الخطأ التعامل مع أزمة المعيشة وكأن الحل الوحيد هو الدعم الحكومي المباشر.

الدولة لديها أدوات اقتصادية وتنظيمية كبيرة والمطلوب استخدامها بحكمة: دعم الإنتاج، تقليل كلفة النقل، مكافحة الاحتكار، تسهيل وصول المنتج إلى المستهلك، دعم التعاونيات، تشجيع التصنيع المحلي وتوفير منافذ بيع عادلة.

وفي المقابل يمتلك المجتمع أدوات أخرى لا تقل أهمية: التكايا والمنظمات الوطنية والمبادرات المجتمعية والقطاع الخاص المسؤول وشبكات المنتجين والمستهلكين.

المطلوب هو أن تعمل هذه الأدوات معًا بدل أن يعمل كل طرف منفردًا.

▪︎ قبل أن يقرع جرس المدرسة

ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: ماذا ستفعل الأسرة محدودة الدخل عندما يبدأ أبناؤها الدراسة؟

فإذا كان سعر الخبز وحده يمثل عبئًا يوميًا فإن دخول المدرسة سيضيف أعباء أخرى.

ولهذا فإن مواجهة غلاء المعيشة لا ينبغي أن تبدأ بعد وصول الناس إلى مرحلة العجز الكامل وإنما قبل ذلك بكثير.

نحتاج إلى سياسات استباقية لا تنتظر انفجار المشكلة حتى تبدأ في البحث عن حل.

فالمواطن لا يريد أن يعيش على المساعدات إلى الأبد ولا يريد أن تتحول حياته إلى انتظار طرد غذائي أو وجبة مجانية.

هو يريد أن يعمل وينتج ويشتري احتياجات أسرته بدخل يحفظ له كرامته.

وحين يتعذر ذلك مؤقتًا بسبب الظروف الاقتصادية القاسية فإن واجب الدولة والمجتمع هو أن يوفرا له شبكة أمان حقيقية لا أن يتركا الأسعار تواصل صعودها بينما يظل دخله في مكانه.

الخلاصة: الأزمة تحتاج إلى عقل اقتصادي وروح مجتمعية

غلاء المعيشة ليس قدرًا لا يمكن تغييره لكنه أيضًا ليس مشكلة تحل بخطاب أو قرار منفرد.

إنه يحتاج إلى إدارة اقتصادية رشيدة وإنتاج حقيقي وأسواق أكثر عدالة وتعاونيات فاعلة ومنافذ بيع مباشرة وسياسات حماية اجتماعية ومجتمع مدني قادر على تحويل تجاربه الناجحة إلى نماذج مستدامة.

وقد تكون التكايا إحدى الأفكار التي تستحق أن تخرج من إطار الاستجابة الطارئة إلى إطار السياسة الاجتماعية والاقتصادية المنظمة.

فالتكية التي استطاعت أن تطعم الناس في أصعب أيام الحرب يمكن أن تتطور إذا وجدت أهل رشد يديرونها بحكمة وشفافية إلى منفذ يساعد الأسرة على الحصول على احتياجاتها الأساسية بسعر يمكنها تحمله.

نحن لا نحتاج إلى اختراع المجتمع من جديد؛ فقد أثبت المجتمع السوداني خلال الحرب أنه قادر على الفعل.

ما نحتاجه هو أن تلتقط الدولة هذه التجارب وتدرسها وتنظمها وتدعمها وتمنحها البيئة التي تجعلها أكثر استدامة وأوسع أثرًا.

فحين تصبح الرغيفتان بألف جنيه لا يعود السؤال: كم سعر الخبز؟
بل يصبح السؤال الأهم:

كم بقي من قدرة المواطن على أن يعيش بكرامة؟

وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى