أفريقيا

محور “نيروبي – باريس”: كيف تحول ويليام روتو إلى “الوكيل الإقليمي” للغرب في أفريقيا؟

أفرابيا برس

تشهد الخارطة الدبلوماسية في القارة الأفريقية تحولاً دراماتيكياً تقوده كينيا تحت إدارة الرئيس ويليام روتو. ففي الوقت الذي تعلن فيه دول غرب أفريقيا ومنطقة الساحل قطيعة تاريخية مع النفوذ الاستعماري الغربي — لا سيما الفرنسي والأمريكي — تطرح النخب القانونية والسياسية في شرق القارة تساؤلات حارقة حول طبيعة الدور الذي تلعبه نيروبي؛ إذ يرى منتقدون أن روتو بات يقدم طوق نجاة دبلوماسي وعسكري للقوى الغربية المطرودة من الغرب، ليعيد تأسيس النفوذ الغربي عبر بوابة أفريقيا الشرقية الأنجلوفونية.

هروب فرنسي من جحيم الساحل.. ونيروبي تقدم “الأكسجين الدبلوماسي”
تأتي قمة “أفريقيا إلى الأمام” (Africa Forward Summit) التي استضافتها نيروبي مايو الماضي، تليها مشاركة روتو الحالية في قمة مجموعة السبع (G7) في إيفيان الفرنسية، لتكشف عن عمق التنسيق بين روتو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ويرى محللون جيوسياسيون أن هذا التقارب المكثف يمثل استراتيجية فرنسية واضحة للهروب من العزلة بعد “الانهيار الزلزالي” لنفوذ باريس في دول الساحل (مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر) عقب طرد قواتها العسكرية، والقرار الأخير لحكومة السنغال القاضي بطرد القوات الفرنسية أيضاً.
وفي هذا السياق، سارع الرئيس روتو لفتح الأبواب أمام باريس عبر توقيع 11 اتفاقية ثنائية ضخمة واستضافة قمة “أفريقيا إلى الأمام” لأول مرة في دولة غير فرونكوفونية، وهو ما وصفه باحثون قاريون بأنه محاولة غربية للبحث عن “أكسجين دبلوماسي” في منطقة يظن ماكرون أن ذاكرتها التاريخية أقصر تجاه الفظائع الاستعمارية الفرنسية.

الرقص على جراح الجيران: طرد بريتوريا وتمرير الفيتو الأمريكي
لم يقتصر الانحياز الكيني للمعسكر الغربي على الجوانب الاقتصادية، بل امتد ليلعب دوراً “تمحيصياً” أثار غضب النخب الأفريقية. وتكشف كواليس قمة مجموعة السبع (G7) في فرنسا عن أبعاد خطيرة؛ حيث أكد الخبير القانوني الكيني، المحامي إيفانز أوغادا، أن حضور كينيا جاء كبديل “مطوع” بعد أن فرضت واشنطن “فيتو” صارم لاستبعاد جنوب أفريقيا (بريتوريا).
وجاء استبعاد جنوب أفريقيا بضغط مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب تجرؤ بريتوريا على مقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية (ICJ). واعتبر أوغادا أن مسارعة روتو للمشاركة في القمة تحت هذه الظروف يمثل **”رقصاً علنياً على دماء وجراح دولة أفريقية شقيقة”**، وتواطؤاً مع الحسابات الغربية لعزل الأصوات الأفريقية السيادية المستقلة التي ترفض الإملاءات الأمريكية.
عسكرة التبعية: لعنة القواعد الأجنبية واختراق السيادة
الجانب الأكثر خطورة في السياسة الخارجية لروتو، وفقاً لرئيس القضاء ورئيس المحكمة العليا الكينية السابق، الدكتور ويلي موتونغا، هو التمهيد لتأسيس قاعدة عسكرية فرنسية جديدة في كينيا. وتنضم هذه القاعدة المرتقبة إلى القواعد البريطانية (في نانيوكي) والأمريكية (في جزيرة لامو)، مما يحول كينيا إلى ثكنة عسكرية غربية مخصصة لحماية مصالح المستعمر القديم.
ووجه موتونغا انتقادات لاذعة لهذا التوسع العسكري، مؤكداً أنه يمثل طعنة في قلب السيادة الأفريقية لعدة أسباب:
1. خرق الدستور: إبرام هذه الاتفاقيات العسكرية في الغرف المظلمة دون تفعيل بند “المشاركة الشعبية” الإلزامي في الدستور الكيني.
2. تكريس العنصرية والإفلات من العقاب: دخول الجنود الغربيين بأسلحتهم دون الخضوع لبروتوكولات الهجرة، وتورطهم في جرائم بيئية وجنائية بحق السكان والنساء الكينيات دون الخضوع للقضاء الوطني بسبب الحصانات الممنوحة لهم.
3. الزج بالمنطقة في صراعات دولية: تحويل كينيا إلى طرف مباشر في حال اندلاع حروب دولية، وجعل أراضيها هدفاً مشروعاً للخصوم.
التناقض القاتل: شعارات “التحرر” وممارسات “التبعية التبادلية”
يجمع المراقبون على وجود تناقض صارخ في شخصية روتو الدبلوماسية؛ فبينما يعتلي المنصات الدولية خطيباً مفوهاً يطالب بـ “إصلاح النظام المالي العالمي” ويردد عبارات مثل *”أفريقيا ليست مشكلة لكي يتم حلها، بل هي فرصة”*، تُظهر ممارساته على الأرض ارتماءً كاملاً في أحضان صندوق النقد الدولي وتحويل السياسة الخارجية إلى “صفقات تبادلية” (Transactional Approach) قصيرة المدى لخدمة مصالح ضيقة.
هذا الانفصام الدبلوماسي أدى إلى اندلاع احتجاجات شعبية عارمة في الشارع الكيني، قادتها جبهات يسارية وحركات شبابية رفعت شعار أن “زمن الإملاءات الغربية قد ولى” فالجيل الأفريقي الجديد لعام 2026، المسلح بالوعي التاريخي والمعرفي، يرى بوضوح كيف تحاول فرنسا وأمريكا استخدام نيروبي كبيدق لمحاصرة المشاريع الأفريقية المستقلة (مثل تحالف دول الساحل AES)، وكسر التفوق الصيني والروسي في قطاع المعادن الاستراتيجية كالليثيوم والكوبالت.
تخلص القراءة التحليلية للمشهد إلى أن ويليام روتو، في محاولته للعب دور “باني الجسور” مع الغرب، قد ينتهي به المطاف معزولاً داخل قارة بدأت شعوبها وشبابها رسمياً في إعلان “الخروج النفسي والسياسي من غرفة الانتظار الأوروبية”، لتبقى التساؤلات قائمة: إلى متى يستطيع النظام الكيني الصمود كوكيل لمعسكر غربي آخذ في الأفول في افريقيا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى