ناصر فراج يكتب: من يحرك الحرب على الجنيه؟

لا يخفى على أحد أن الهم الاقتصادي بات يشغل الصغير والكبير، وأن الحديث عنه يملأ المجالس في الداخل والخارج، في البيوت والطرقات. إنه هاجس يمس معيشة المواطن وقوت حياته اليومية، ولا يمكن لأحد أن يتغافل عن وطأته.
نحن في حرب فرضت علينا، وما أدراك ما ميزانية الحروب من أعباء. ورغم كل شيء، صمد الجنيه السوداني في العامين الأولين للصراع، وهو ما يؤكد متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على التحمل في وجه العواصف. لكن المؤشرات باتت تفضي إلى تدهور مريب حدث منذ العام الماضي، ليصل الجنيه اليوم إلى وضع أكثر صعوبة مما كان عليه من قبل. فقد تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية 5500 جنيه، في انهيار تاريخي يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والنقدية، بعد أن كان مستقراً نسبياً عند 570 جنيهاً قبيل اندلاع الحرب.
وفي استرجاع الذاكرة، لا بد من التذكير بأن العدو الرئيسي في هذه الحرب، ذلك الطرف المعلوم المعروف بعناده واستخدامه للوسائل القذرة في حروبه العبثية المدمرة، التي يشنها نيابة عن نفسه وعن غيره، قد سبق أن اتبع أساليب مشابهة في اليمن وليبيا والصومال، حيث لعبت شبكات التلاعب بالعملة دوراً محورياً في زعزعة استقرار تلك الدول.
في اليمن، تورطت ميليشيا الحوثي في طباعة عملات مزورة وتوزيعها، في سياسة منهجية هدفت إلى خلق اقتصاد موازٍ يقوض النظام المصرفي الرسمي. وفي ليبيا، كشفت تحقيقات عن طباعة مليارات من الدنانير غير المصرح بها في روسيا، في مخطط ساهم في تقويض العملة المحلية. وفي الصومال، أدى انهيار الدولة والحرب الأهلية إلى فقدان البنك المركزي قدرته على إدارة العملة، وإغراق السوق بالأوراق النقدية المزورة.
وليس بغريب أيضاً أن يحاول التلاعب بعملة قطر خلال الحصار الشهير عام 2017. فقد كشفت وثائق أن بنك “هافيلاند” اللوكسمبورغي وضع مخططاً لشن هجوم على الريال القطري عبر استراتيجية تداول تلاعبية تهدف إلى خفض قيمة السندات القطرية واستنزاف احتياطيات قطر من العملات الأجنبية. وقد رفعت قطر دعوى قضائية في بريطانيا ضد البنك، متهمة إياه بشن حملة تستهدف الإضرار بمصارف البلاد وعملتها الوطنية. وأكدت هيئة الرقابة المالية البريطانية (FCA) أن البنك وموظفيه كانوا متورطين في “استراتيجية تداول تلاعبية سرية لمهاجمة عملة دولة ذات سيادة”.
فليس من المستغرب، إذاً، أن يتدخل الطرف نفسه في العملة السودانية، مستغلاً ضعاف النفوس من تجار العملة وشبكات التحويلات المالية. ومع العلم أن أغلب تحويلات تجار العملة في أوروبا تمر عبر الدويلة، فإن هذا يثير تساؤلات مشروعة حول مصدر الضغوط غير المسبوقة على الجنيه السوداني في الآونة الأخيرة.
أما الحديث حول مسؤولية وزير المالية عن تدهور الجنيه السوداني فهو سؤال جوهري ومعقد، والإجابة عليه تتطلب نظرة شاملة للظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان. بناءً على المعلومات المتاحة، لا يمكن إلقاء اللوم الكامل على الوزير وحده، إذ إن تدهور العملة هو نتيجة حتمية لاقتصاد حرب مدمر، وتقاطعت فيه عوامل محلية وخارجية خارجة عن سيطرة أي وزير.
لذلك، النقد الموضوعي مشروع إذا ركز على السياسات والنتائج، أما الهجوم الشخصي على وزير المالية فى شخصة ،فيشغل الناس عن الأسباب الحقيقية. والمسؤولية في النهاية جماعية القيادة السياسية، والمؤسسات، والبنك المركزي، والتجار، والعوامل الخارجية. فليس من العدل أن يُهاجم الوزير هجومًا شخصيًا وكأنه المسؤول الوحيد عن تدهور الجنيه، لكن العدل أيضًا لا يعني إعفاءه من المساءلة. المطلوب هو شفافية ومحاسبة وخطة واضحة، مع الاعتراف بأن استقرار الجنيه مرهون أولاً بنهاية الحرب واستعادة الأمن.


