الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : حين تتقدم البندقية… ويتراجع الاقتصاد
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : حين تتقدم البندقية... ويتراجع الاقتصاد

الصادق إسماعيل علي يكتب..
نكزة : حين تتقدم البندقية… ويتراجع الاقتصاد
* يبدو أن الحرب في السودان قررت أن تغيّر بدلتها العسكرية، فبعد أن عجزت البندقية عن تحقيق ما أُريد لها في الميدان، انتقلت المعركة إلى جيب المواطن ومائدته وسوقه ولقمة عيشه!
فالحرب ليست دائماً دبابة وطائرة ورصاصة؛ أحياناً تكون ورقة نقدية تنهار، وسعراً يقفز كل صباح، وذهباً يخرج من باطن الأرض ليعود إلينا في صورة دولارات لا نراها، وإنتاجاً يموت تحت أقدام الجبايات والبيروقراطية، ومضارباً يربح من خراب وطن كامل!
وهنا تحديداً ينبغي أن ننتبه: النصر العسكري لا يكفي إذا تركنا الاقتصاد ينزف حتى آخر قطرة.
* بعد التقدم العسكري الكبير الذي حققته القوات المسلحة على أرض المعركة، وإفشال مخطط إسقاط الدولة وتمزيق البلاد، يبدو أن محوراً آخر من محاور الحرب قد أصبح أكثر وضوحاً: الاقتصاد.
فإذا تعذر إسقاط البلاد بالبندقية، يمكن إضعافها من باب العملة والأسواق والموارد والإنتاج؛ وإذا تعذر كسر الجبهة الداخلية عسكرياً، يمكن إنهاكها اقتصادياً حتى يصبح المواطن نفسه يسأل: ماذا جنينا من النصر إذا كانت لقمة العيش تبتعد عنا كل يوم؟
* وهذه ليست دعوة إلى البحث عن شماعة نعلق عليها كل مصائبنا؛ فالاقتصاد السوداني كان يعاني أصلاً من اختلالات عميقة، منذ أن تركت الدولة طوعا عن مصادر مواردها الحقيقية لصالح المضاربين والتجار الجشعين والموظفين الفاسدين المفسدين . ثم جاءت الحرب فوجهت إليه ضربة هائلة. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد انكمش بشدة بنحو 29.4% في 2023 و14% في 2024، قبل تقدير نمو 3.1% في 2025 ، مع تدمير واسع للقدرات الإنتاجية وتعطيل التجارة والخدمات والزراعة .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
هل نحن ندير اقتصاد بلد يخوض حرباً… أم ندير حرباً في بلد لديه اقتصاد؟!
* الحادبون على البلاد بحت أصواتهم وهم يحذرون من استمرار التدهور الاقتصادي، خصوصاً في ظل حكومة جاءت في ظرف استثنائي ومهمة استثنائية. وقد عُيّن البروفيسور كامل إدريس رئيساً للوزراء في مايو 2025، ثم أعلن حل حكومة تصريف الأعمال تمهيداً لتشكيل حكومة جديدة.
ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في رئيس الوزراء وحده ( غريب الوجه واليد واللسان عن مشكلات العباد والبلاد ) ؛ المشكلة في قدرة الدولة كلها على إدارة اقتصاد الحرب بمنطق اقتصاد الحرب.
فلا يعقل أن تكون البلاد في معركة وجود، بينما تظل مواردها موزعة بين جهات متعددة، وأسواقها مفتوحة للمضاربة، وإنتاجها محاصراً بالإجراءات والجبايات، والعملة الوطنية تتلقى الضربات من كل اتجاه!
والأغرب من ذلك أن نتعامل مع انهيار سعر الصرف وكأنه مجرد حركة طبيعية في سوق عادي، بينما نحن نعيش حرباً استثنائية، واقتصاداً استثنائياً، وظروفاً استثنائية.
نحن لا نحتاج إلى اقتصاد عادي في زمن غير عادي.
نحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد، ومن أين تأتي مواردها، وإلى أين تذهب، ومن يملك حق التصرف فيها.
* ماذا نريد إذن؟
إذا كانت الدولة جادة في حماية ما تحقق في الميدان، فإن المعركة الاقتصادية تحتاج إلى قرارات جريئة وسريعة، لا إلى لجان جديدة تجتمع، ثم تشكل لجنة أخرى لدراسة توصيات اللجنة الأولى!
وعلى مجلس السيادة ورئيسه أن يتعاملا مع الأمر باعتباره ملف أمن قومي، وأن يبدأا ــ اليوم قبل الغد ــ في حزمة إجراءات اقتصادية استثنائية، من بينها:
أولاً: إعادة تقييم أداء الحكومة الاتحادية وولاة الولايات بصورة عاجلة، واستبدال كل من يثبت عجزه عن إدارة المرحلة بحكومة وولاة قادرين على إدارة اقتصاد الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ثانياً: فتح ملف ملكية المؤسسات المالية والاستراتيجية ذات الصلة بالأمن الاقتصادي للدولة، وفي مقدمتها بنك الخرطوم، ومراجعة ملكية الأسهم والمصالح المرتبطة به وفق القانون والمصلحة الوطنية. فالمعلومات المنشورة من البنك نفسه تُظهر مساهمات متعددة، بينها بنك دبي الإسلامي بنسبة 29.49%، إلى جانب مساهمين آخرين؛ ولذلك فالمطلوب قرار قانوني واضح، لا مجرد شعار سياسي.
ثالثاً: إحكام سيطرة الدولة مباشرة وبنفسها على صادرات الذهب والمعادن والماشية واللحوم والمحاصيل النقدية، وفي مقدمتها الصمغ العربي، بحيث تدخل عائداتها إلى القنوات الرسمية ولا تتحول ثروات البلاد إلى خزائن خاصة بينما الخزينة العامة تبحث عن مواردها.
رابعاً: تنظيم استيراد السلع الاستراتيجية والأساسية عبر الدولة أو عبر آلية وطنية محكمة وشفافة، خصوصاً الوقود والقمح والدقيق والأدوية ومدخلات الإنتاج الزراعي، مع استخدام موارد البلاد من النقد الأجنبي والذهب وفق قواعد واضحة تمنع الوسطاء والمضاربين من ابتلاع الفارق بين المنتج والمواطن.
خامساً: إطلاق يد الأجهزة المختصة، كلٌّ في حدود القانون، لملاحقة جرائم المضاربة والتلاعب بالعملة والذهب والسلع الاستراتيجية، وكشف شبكات المصالح واللوبيهات التي تستفيد من ضعف الدولة أو تعمل على تعطيل مؤسساتها.
فالحرب على الفساد ليست ترفاً إدارياً؛ إنها جزء من حماية الدولة.
سادساً: رفع كل القيود التي تخنق الإنتاج، من الجبايات المتعددة والإجراءات البيروقراطية والرسوم غير المنطقية، وفتح الطريق أمام المزارع والراعي والصانع والتاجر والمنتج ليعمل وينتج.
فالدولة التي تريد مالاً من شعبها قبل أن توفر له بيئة الإنتاج، تشبه من يريد حليب البقرة وقد سبقها إلى ذبحها!
* سيدي البرهان…
لقد قدم السودانيون الكثير.
قدموا أبناءهم في ميادين القتال، وقدموا بيوتهم ومدنهم وأموالهم، وتحملوا النزوح والجوع والخوف، وصبروا على ما لا يحتمل.
ولذلك فإن حماية الانتصار العسكري لا تكون بالاحتفال به فقط، وإنما بحمايته من أن يتحول النصر في الميدان إلى هزيمة في السوق.
فإن كانت المعركة العسكرية قد احتاجت إلى الرجال والسلاح والشجاعة، فإن المعركة الاقتصادية تحتاج إلى قرار، وانضباط، وشفافية، وسيطرة حقيقية على الموارد.
لا يمكن أن نربح الحرب ونخسر الدولة!
ولا يمكن أن نحرر الأرض ثم نترك اقتصادها رهينة للمضاربين والمهربين والجبايات والفساد.
المعركة لم تنتهِ عند آخر طلقة؛ فهناك معركة أخرى على الخبز، والعملة، والإنتاج، والذهب، والموارد، ومستقبل الدولة.
وإذا لم ندرك ذلك الآن، فقد نستيقظ غداً فنكتشف أن العدو الذي عجز عن أخذ السودان بالبندقية، أخذها من خلال جيب المواطن الخاوي ! ومعدته الفارغة !
والرماد كال حماد!
اللهم هل بلغت… اللهم فاشهد.
اللهم هل بلغت… اللهم فاشهد.
اللهم هل بلغت… اللهم فاشهد.
دمتم سالمين … آمنين … تآمين …. لآمين ..


