آراء ومقالات

القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال الخامس: سياسة النفس الطويل… عندما انتصر الصبر على الاندفاع بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)

القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال الخامس: سياسة النفس الطويل... عندما انتصر الصبر على الاندفاع بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)

القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء

المقال الخامس: سياسة النفس الطويل… عندما انتصر الصبر على الاندفاع

بقلم: إبراهيم النور (قبوجة)

في الحروب، ليس كل انتصار يُصنع بالهجوم الكاسح، ولا كل تراجع يعني هزيمة. فهناك معارك لا يحسمها من يطلق الرصاصة الأولى، وإنما من يمتلك القدرة على الصبر، واستيعاب الضربة، ثم اختيار اللحظة المناسبة للرد.

وهذا ما ميّز أداء القوات المسلحة السودانية منذ الأيام الأولى للحرب.

فقد كان كثيرون يتساءلون: لماذا لا يحسم الجيش المعركة سريعًا؟ ولماذا يتأخر التقدم في بعض المحاور؟ ولماذا يترك بعض المواقع قبل أن يعود إليها لاحقًا؟

كانت الإجابة في كلمة واحدة: التخطيط.

فالقيادة العسكرية كانت تدرك أنها لا تواجه جيشًا نظاميًا يقاتل في ميادين مفتوحة، بل تواجه مليشيا تنتشر وسط الأحياء السكنية، وتتخذ من منازل المواطنين والمستشفيات والمدارس والمؤسسات العامة مواقع للقتال، وهو ما جعل أي عملية عسكرية تحتاج إلى حسابات دقيقة حتى لا تكون الخسائر وسط المدنيين أكبر من المكاسب العسكرية.

ولذلك، اختارت القيادة ما أصبح يعرف بين الناس بسياسة “النفس الطويل”، أو كما يسميها الجنود ببساطة: “الحفر بالإبرة.”

قد تبدو الإبرة أداة صغيرة، لكنها إذا واصلت الحفر وصلت إلى غايتها. وكذلك كانت هذه الحرب؛ تقدم محسوب، وضربات موجعة، واستنزاف متواصل، وحرمان للعدو من إعادة تنظيم صفوفه أو تثبيت مكاسبه.

ومع مرور الأيام، بدأت آثار هذه السياسة تظهر بوضوح.

فقد فقدت المليشيا عددًا من أهم قادتها الميدانيين، وتراجعت قدرتها على الإمداد والتموين، وبدأت خطوط اتصالها تتفكك، وأصبحت تتحرك من موقع إلى آخر هربًا من ضغط القوات المسلحة، بعدما كانت في بداية الحرب تتحدث عن السيطرة الكاملة خلال ساعات.

وفي المقابل، كانت القوات المسلحة تعيد ترتيب قواتها، وتفتح محاور جديدة، وتستفيد من خبرة ضباطها وجنودها، ومن الدعم الذي وفره الشعب السوداني، حتى أصبحت صاحبة زمام المبادرة في كثير من الجبهات.

وكانت كل منطقة تستعاد تحمل رسالة واضحة: الصبر لا يعني الضعف، والتأخير لا يعني العجز، بل قد يكون جزءًا من خطة أكبر لا تتضح إلا عند اكتمالها.

وقد أثبتت هذه الحرب أن القيادة الرشيدة لا تقاس بسرعة اتخاذ القرار، وإنما بصحة القرار نفسه. فكم من معركة خسرها أصحاب العجلة، وكم من حرب كسبها أصحاب النفس الطويل.

وخلال تلك المرحلة، ظل الجندي السوداني يقدم صورة مشرقة في ميادين القتال. كان يقاتل في ظروف بالغة التعقيد، تحت حرارة الشمس، وبين أنقاض المدن، بعيدًا عن أهله وأسرته، لكنه ظل متمسكًا بواجبه، مؤمنًا بأن حماية الوطن تستحق كل تضحية.

وسقط في هذا الطريق شهداء كثر، وارتقى ضباط وضباط صف وجنود، كما أصيب آخرون بإصابات ستظل شاهدة على شرف المشاركة في معركة يراها كثيرون من أهم معارك السودان في تاريخه الحديث.

وما كان لهذا الصمود أن يؤتي ثماره لولا تماسك مؤسسات الدولة، ووحدة القيادة العسكرية، والتفاف الشعب حول قواته المسلحة، وهي عوامل اجتمعت لتصنع تحولًا حقيقيًا في مسار الحرب.

وبدأت الأخبار تتوالى تباعًا… منطقة تتحرر، وأخرى تعود إلى حضن الوطن، ومحور يتقدم، وآخر يضيق الخناق على المتمردين. ولم يعد السؤال: هل يستطيع الجيش استعادة زمام المبادرة؟ بل أصبح السؤال: متى يكتمل النصر؟

وهكذا أثبتت الأيام أن الحروب لا تُحسم بالصخب الإعلامي، ولا بالوعود الكبيرة، وإنما يحسمها الرجال في الميدان، والعقول التي تخطط، والإرادة التي لا تعرف اليأس.

وللحديث بقية…

في المقال السادس: “من قلب الخرطوم إلى الجزيرة… كيف بدأت المدن تعود إلى حضن الوطن؟” نستعرض مراحل استعادة المواقع، وما مثّلته تلك الانتصارات من تحول في مسار الحرب ورفعٍ لمعنويات السودانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى