آراء ومقالات

تأشيرة البرهان.. حين تتحول بوابة الأمم المتحدة إلى ورقة ضغط بقلم: علي محمد طاهر علام

تأشيرة البرهان.. حين تتحول بوابة الأمم المتحدة إلى ورقة ضغط بقلم: علي محمد طاهر علام

تأشيرة البرهان.. حين تتحول بوابة الأمم المتحدة إلى ورقة ضغط

بقلم: علي محمد طاهر علام

ليست القضية أن الولايات المتحدة منحت رئيس مجلس السيادة السوداني تأشيرة دخول أو حجبتها، فالقضية أكبر من ذلك بكثير.

حين يُحرم رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من الوصول إلى مقر المنظمة الدولية، بينما يستعد لإلقاء كلمة بلاده أمام جمعيتها العامة، فإن المسألة تتجاوز الإجراء القنصلي إلى سؤال مباشر حول حدود استخدام الدولة المضيفة لنفوذها السياسي: هل أصبحت تأشيرة الدخول إلى منبر الأمم المتحدة أداة للضغط السياسي؟

أعلن السودان أن الولايات المتحدة لم تصدر، حتى الآن، تأشيرة دخول للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، المقرر أن يلقي كلمة السودان أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في 24 سبتمبر. وبحسب رسالة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس الحارث، فقد استوفت الحكومة السودانية الإجراءات المطلوبة لمشاركة رئيس مجلس السيادة ووفده، وطالبت الأمين العام أنطونيو غوتيريش بالتدخل لدى السلطات الأمريكية.

والموقف، إذا صحت ما أوردته مصادر صحفية عن ربط إصدار التأشيرة بموقف البرهان من مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار، يفتح باباً بالغ الحساسية: تحويل حق المشاركة في محفل دولي إلى ورقة تفاوض في خلاف سياسي.

وهنا ينبغي الفصل بين أمرين:
من حق الولايات المتحدة أن تطرح رؤيتها للحرب والسلام في السودان، وأن تمارس ما تراه من ضغوط دبلوماسية من أجل دفع الأطراف نحو حل للأزمة.
لكن ليس من حقها أن تحول موقعها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة إلى وسيلة لإملاء خيارات سياسية على دولة عضو، أو أن تجعل الوصول إلى منبر دولي رهيناً بقبول مقترح سياسي بعينه.

تستند الخرطوم في موقفها إلى اتفاقية المقر الموقعة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة عام 1947، وإلى قرارات للجمعية العامة تناولت مسألة التأشيرات ومشاركة ممثلي الدول الأعضاء في أعمال المنظمة.

وهذه القضية ليست مسألة هامشية، فالمنظمة الدولية تقوم، في جوهرها، على مبدأ مشاركة الدول الأعضاء في أعمالها، بينما تتحمل الدولة المضيفة مسؤولية خاصة في تيسير هذه المشاركة وفق القواعد والاتفاقيات المعمول بها.
لذلك، فإن حجب التأشيرة، وربطها بموقف سياسي من قضية سودانية، يضع واشنطن أمام سؤال يصعب تجاهله: كيف يمكن لدولة ترفع شعار احترام القانون والمؤسسات الدولية أن تستخدم إحدى أدوات سلطتها بصفتها الدولة المضيفة للضغط على ممثل دولة عضو؟

هذا الإعتراض بالطبع ليس دعوة إلى خصومة مع الولايات المتحدة، وإنما سؤال عن مدى اتساق الممارسة مع القواعد التي يفترض أن تحكم النظام الدولي.

السودان يحتاج إلى السلام، ولا يحتاج أحد إلى تذكير السودانيين بحجم المأساة التي خلفتها الحرب. لكن الرغبة في السلام لا تعني قبول أي صيغة تُطرح من الخارج، كما أن حاجة السودان إلى الدعم الدولي لا تعني أن يصبح مستقبله السياسي مجالاً لتقرير الآخرين.

يمكن لواشنطن أن تقترح، وللأمم المتحدة أن تدعم، وللدول أن تتوسط، لكن القرار النهائي بشأن مستقبل السودان يجب أن يظل مرتبطاً بإرادة السودانيين ومصالحهم الوطنية.

ومن هنا، فإن أي ضغط على القيادة السودانية للقبول بخيار محدد عبر وسائل تقع خارج مسار التفاوض لا يساعد بالضرورة على بناء تسوية مستدامة، بل قد يزيد الشكوك حول دوافع المبادرات المطروحة.

وفي ذات الوقت مواجهة هذا الموقف ينبغي الا تكون بالدخول في حرب إعلامية مع الإدارة الأمريكية ومستشاريها. فالسودان لا يحتاج إلى معركة دبلوماسية إضافية تستنزف قدرته وتغلق أبواب التواصل.

بتقديري المطلوب هو:
التمسك بالحق، والهدوء في الخطاب، والقوة في الحجة، والانفتاح في التفاوض.

ولذلك على الدبلوماسية السودانية أن تستخدم القنوات الثنائية، والأمم المتحدة، والأطر القانونية المتاحة، وأن تطالب بحقوق السودان بوضوح، من دون الانجرار إلى سجالات شخصية أو ردود فعل انفعالية.
فقضية تأشيرة البرهان ليست مجرد خلاف حول إجراء قنصلي، وإنما اختبار لمبدأ أوسع: هل تظل مؤسسات النظام الدولي مفتوحة أمام الدول الأعضاء، أم يمكن أن تتحول قواعد الوصول إليها إلى أدوات ضغط عندما تتعارض مواقف دولة ما مع الدولة المضيفة؟

ولهذا، فإن على الولايات المتحدة أن تدرك أن مثل هذا السلوك السياسي، لا يخدم صورتها كدولة تتدعي احترام القانون والنظام الدولي، بل يضعها أمام أسئلة مشروعة حول مدى اتساق ممارساتها مع المبادئ التي تدافع عنها.

وفي المقابل، على السودان أن يدير هذه الأزمة بعقل بارد، وأن يحافظ على مصالحه دون أن ينجر إلى مواجهة لا تخدم قضيته. والمعادلة التي ينبغي أن تعمل عليها الدبلوماسية السودانية يجب ان واضحة:

لا قطيعة مع واشنطن، ولا ارتهان لها.
لا تصعيد مجاني، ولا تنازل تحت الضغط.
لا إغلاق لأبواب الحوار، ولا قبول بوصاية على القرار السوداني.

فالسلام الذي يحتاجه السودان لن تصنعه تأشيرة، ولن يُفرض بضغط خارجي.
السلام الحقيقي يبدأ عندما يمتلك السودانيون حقهم في اختيار طريقهم، وتساعدهم القوى الدولية على الوصول إليه، بدلاً من أن تختار الطريق نيابة عنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى